الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
20
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
وهو معكم أينما كنتم والله بما تعملون بصير . وكيف لا يكون معنا في الوقت الذي نعتمد عليه ، ليس في إيجادنا فحسب بل في البقاء لحظة بلحظة - أيضا - ونستمد منه العون ، إنه روح عالم الوجود ، بل هو أعلى من ذلك وأسمى . فالله معنا في كل الحالات وفي كل الأوقات ، فهو معنا يوم كنا ذرة تراب مهملة ، وهو معنا يوم كنا أجنة في بطون أمهاتنا ، وهو معنا طيلة عمرنا ، وفي عالم البرزخ . . . فهل بالإمكان - مع هذا - ألا يكون مطلعا علينا ؟ الحقيقة أن الإحساس بأن الله معنا في كل مكان يعطي للإنسان عظمة وجلالا من جهة ، ومن جهة أخرى يخلق فيه اعتمادا على النفس وشجاعة وشهامة ، ومن جهة ثالثة فإنه يثير إحساسا شديدا بالمسؤولية ، لأن الله حاضر معنا في كل مكان ، وناظر ومراقب لأعمالنا ، وهذا أكبر درس تربوي لنا . وهذا الاعتقاد يمثل دافعا جديا للتقوى والطهارة والعمل الصالح في الإنسان ، ويعتبر رمز عظمته وعزته . أجل : إن مسألة أن الله تعالى معنا دائما وفي كل مكان هي حقيقة وليست كناية ومجازا ، حقيقة مقبولة للنفس ومربية للروح ، ومولدة للخوف والمسؤولية . ولذا ورد عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أنه قال : " إن من أفضل إيمان المرء أن يعلم أن الله تعالى معه حيث كان " ( 1 ) . ونقرأ في حديث آخر أن موسى ( عليه السلام ) قال : " أين أجدك يا رب ، قال عز وجل : يا موسى إذا قصدت إلي فقد وصلت إلي " ( 2 ) . وفي الأساس فإن هذه ( المعية ) أي كون الله عز وجل مع عباده ، ظريفة ودقيقة بحيث أن كل إنسان مؤمن متفكر يدركها بقدر فكره وإيمانه . وبعد مسألة الحاكمية والتدبير يأتي الحديث عن مسألة مالكيته سبحانه في
--> 1 - الدر المنثور ، ج 6 ، ص 171 . 2 - روح البيان ، ج 9 ، ص 351 .